بسم الله الرحمن الرحيم
رب ضارة نافعة
سيداحمد هاشمی

لقد شغلت الرسوم الکاريکاتيرية المسيئة إلی النبيr و ما تبعتها من احتجاجات و مقاطعات في العالم الإسلامي, حيزاً کبيراً في وسائل الإعلام ,سواء في الإعلام الإسلامي أو الإعلام العالمي, و ذلک لما تضمنته هذه الرسوم من الحط من شأن أشرف شخصية علی وجه البسيطة عند المسلمين, مما سبّبَ في جرح مشاعر مليار و نصف مسلم في کافة أنحاء العالم.
في الحقيقة أنا أشارک کل مسلم غيور ساءته هذه الأعمال الصبيانية و حاول أن يعرب عن غيرته تجاه الحبيب المصطفی r بمظاهرة غاضبة أو احتجاج صاخب أو مقاطعة للبضائع الدنمرکية, و لکني أريد أن أبرز بعض الدلالات الإيجابية التی نتجت عن هذا الحدث,و-في رأيي –کان مکسباً کبيراً للمسلمين:
1- هذا الحدث أثبت أن أروبا بدأت تنقض نفسها بنفسها و نفدت صبرها أمام المسلمين عندما رأت انهم يزدادون يوما بعد يوم و بدأوا يشکلون تحدياً أمامها.و لکي أوضح أکثر أقول:أن المهاجرين المسلمين عندما بدأوا النزوح إلی البلاد الغربية,کانت هذه البلاد-ولا زالت- حضنا دافئا لهم, لأنهم کانوا-في أقل تقدير- تعويضاً عن التقلص السکاني و نقص اليد العاملة في هذه البلاد, فاستوعبوهم علی أمل أن يندمجوا في مجتمعاتهم و ينصهروا فيها, وکانت المقولة الشائعة تقول للمسلمين:«الجيل الأول لکم, و الأجيال التالية لنا»إشارة منهم إلی استيعاب الأجيال الثانية و الثا لثة و... و يقينا منهم بأن هؤلاء المسلمين المغلوبين حضارياً سوف ينصهرون في بريق الحضارة الغالبة ويکيفون أنفسهم بها, ويکونون مکسباً للغرب.
و لکن الرياح تجری بما لا تشتهيه السفن, فالواقع أثبت أن الهوية الإسلامية أقوی بکثير من أن تنصهر في هذه المجتمعات, فطغت وفرضت نفسها علی الساحة, ليس في الجيل الأول بل في الجيل الثاني الذي کان من المبرمج أن ينصهر نهائيا.
وجدت أروبا نفسها بين فکي الکماشة,الديموقراطية وحرية التعبير اللتان طالما تعتز بهما و جعلتهما دينا لها من جهة, و تنامی عدد المسلمين وازدياد قوتهم واتساع دائرتهم يوما بعد يوم في ظل الديموقراطية و حرية التعبير من جهة أخری.
شعرت اروبا بالخطر في داخلها, أروبا التی صمدت أمام المسلمين خلال 14 قرناً منذ ظهور الإسلام, و استعصی علی المسلمين فتحها کاملة, وجدت نفسها تُفتَح رويداً رويداً و في هدوء من الداخل و ليس بالهجوم العسکري من الخارج. رأت اروبا أن المسلمين في الغرب يعودون إلی عقيدتهم في ظل التحديات بعد أن تخلوا عنها, و بدأوا يؤثرون علی الغرب بعد أن کانوا مستسلمين أمامه, و تدخل أفواج من الغربين أنفسهم في الإسلام في ظل الخواء الروحي الذي تعاني منه المجتمعات الغربية,رأت أن الإسلا م تشکل الديانة الثانية أو الثالثة في کثير من مجتمعاتها, فحينئذ أدرکت أنها تواجه قوة لا يمکن إدماجها وصهرها بسهولة کما لا يمکن القضاء عليها بعد أن أصبحت واقعاً ملموساً في المجتمع.
فجاءت نقضت غزلها من بعد قوة أنکاثاً, فضربت بمبدإ الحفاظ علی العلمانية؛ مبدأ حرية ممارسة الشعائر الدينية, کما حدث في فرنسا عندما منعوا الحجاب للمسلمات في المدارس و الدوائر الحکومية بحجة الحفاظ علی علمانيتها, وضربت بمبدإ حرية التعبير؛ مبدأ الديمقراطية والتعايش السلمي حيث بدأوا باستفزاز مشاعر المسلمين بنشر کتب و مقالات تسيئ للإسلام أو تربط بين الإسلام و الإرهاب بحجة حرية التعبير, غافلين أو متغافلين أن حرية کل فرد تنتهی حيث تبدأ حقوق الآخرين, و کان آخرها ما قامت به صحيفة جيلاندز بوستن الدنمرکية, التي أثارت هذه الضجة في العالم الإسلامي.
و لعل هذا ما يفسر حجم التحامل علی مقدسات المسلمين و إصرار هذه الدول علی استفزاز مشاعر مليار و نصف مسلم, و من الطريف أن سلاح حرية التعبير لا يشهر إلا في وجه المسلمين عندما يساء إلی دينهم و عقيدتهم, ولكن عندما يتحدث المؤرخ البريطاني الأهم الدكتور ديفيد إيرفينج أو المفكر الفرنسي المسلم البروفيسور روجيه جارودي مُشَكِّكَيْن في الهولوكوست وفي ثوابت المشروع الصهيوني, يُعتقل الأول في النمسا فيما يُضطَّهد الثاني ويحاكَم أمام المحاكم الفرنسية بتهمة انتهاك قانون (فابيوس- جيسو) المشبوه الصادر عام 1990م بسبب كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"؛ حيث حُكم عليه بدفع مبلغ 20 ألف دولار على سبيل الغرامة!! و لم يستطع روجيه غارودي ولا ديفيد إيرفينج أن يشهرا هذا السلاح في وجه من جروهما إلی المحکمة, عندما شککا في المحرقة النازية,و يبرئا أنفسهما من التهم الموجهة اليهما, ولا يمکن لأحد أن يتمسک بهذا السلاح اذا تجرأ و شکک في الهولوکست أو تحدث في معاداة السامية, ناهيک عن الإساءة أو السخرية بهما.
2-هذا الحدث أثار في المسلمين غيرة الدين و حمية الإسلام و حب الحبيب المصطفی -صلوات ربي و سلامه عليه- کيف لا و قد يجمع حب المصطفیr کل المسلمين باختلاف مللهم ونحلهم في مشارق الأرض و مغاربها, حتی أن المسلم البسيط العادی في أقصی المعمورة إذا ذُکر اسمه الشريف r بکی و صلی عليه, فکيف به إذا سمع أو رأی أن أحب الخلق إليه تعرض للإساءة و الاستهزاء من قِبَل من لا دين لهم ولا حياء؟
بالتأکيد سينتصر لنبيه r بما يملک, وهذا في ذاته مکسب للمسلمين.
3-هذا الحدث أثبت أننا نملک من الأسلحة السلمية –ناهيک عن الأسلحة النارية- ما نستطيع أن نوجه ضربات قاسية إلی أعدائنا و نرغم أنوفهم للاعتراف بحقنا و النزول علی رغباتنا, و لقد کان سلاح مقاطعة المنتجات الدنمرکية في الدول العربية خاصة و الدول الإسلامية عامة, أمضی سلاح في وجه جبروت هؤلاء الذين يعيشون في أبراج عاجية, ولا يحترمون مشاعر الأمة الإسلامية بحجة حرية التعبير المزعومة.
4-هذا الحدث أثبت أن القوم لا يعبدون إلا إلها واحداً, و هو إله المال, منذ أربعة أشهر والمسلمون -حکومات و شعوب- يوجهون رسالات الاستنکار و الاحتجاج إلی الحکومة الدنمرکية وصحيفة جيلاندز بوستن أن يعتذر عن نشر هذه الرسومات, ولکن کل هذه الاحتجاجات ذهبت أدراج الرياح, بحجة الدفاع عن إله حرية التعبير في الدنمارک, حتی لجأ المسلمون إلی المقاطعة, فما أن أتت المقاطعة بثمارها, و خسرت شرکات دنمرکية خسارات هائلة, حتی طلع علينا رئيس الصحيفة يعتذر عما حدث- وإن کان بصورة ملفقة و مشبوهة- و يرجع سبب ذلک إلی مجرد سوء فهم من المسلمين.فياليتنا شهرنا سلاح المقاطعة في وجه کل متغطرس متجبر في العالم- و علی رأسهم امريکا و إسرائيل- حتی نرغم أنوفهم و نکفهم عن البلطجية و اضطهاد المسلمين في کل بقاع العالم و خاصة في العراق و فلسطين .
سيد أحمد هاشمی
طالب دکتوراه في قسم القرآن والسنة بجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا



