کنکاش

موقع يتناول القضايا المطروحة في العالم الإسلامي من منظور اسلامي (کنکاش کلمة فارسية و تعني البحث و المشورة)

مفارقات العالم وعالم المفارقات

بسم الله الرحمن الرحيم

مفارقات العالم وعالم المفارقات

سيداحمد هاشمی

 قبل عدة شهور أدلی محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني بتصريحات شكك فيها بحقيقة محرقة النازية(الهولوكوست) لليهودفي الحرب العالمية الثانية، واقترح فيها أن تقيم ألمانيا والنمسا دولة إسرائيلية على أراضيهما.

فتوالی عليه اثر هذه التصريحات وابل من ردود الشجب والاستنکار والاستياء والإدانة من معظم الدول الغربية و خاصة الولايات المتحدة و آلمانيا و النمسا و بريطانيا,و قام مجلس الأمن بعقد جلسة طارئة و أدان فيها هذه التصريحات التي تفوح منها رائحة الإرهاب و العنصرية علی حد زعمهم.

أنا لا يهمني مدی مصداقية هذه التصريحات, ولا يهمني فيما إذا کانت هذه التصريحات تخدم مصالح إيران دولياً أم لا, بقدر ما يهمني نفاق المجتمع الدولي و کيله بمکيالين تجاه القضايا التي تتعلق بالمسلمين والعالم الإسلامي وانحيازه الجنوني إلی إسرائيل.

   قال کوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة بأنه صُدِم لدى سماعه هذه الملاحظات المنسوبة إلى رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية ,وذكر عنان بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت الشهر الماضي على قرار يحظر نفي حصول محرقة اليهود وقرر إعلان 27 يناير يوما خاصا لتكريم ذكرى ضحايا النازية.

وتابع عنان بأن ميثاق الأمم المتحدة ينص على أن "كل الدول الأعضاء مدعوة إلى الامتناع عن تهديد واستخدام القوة ضد سلامة ووحدة أراضي أي دولة واستقلالها السياسي".

و رغم ذلک هدد اريل شارون إثر هذه التصريحات بضرب المنشآت النووية الإيرانية براً و جواً بحلول مارس 2006 إذا لم يصل المجتمع الدولي إلی حل سلمي لهذه المشکة وأصرت إيران علی موقفه حيال ملفه النووي, ولکن يبدو أن هذه التصريحات لا يشکل خطراً ضد سلامة ووحدة أراضي أي دولة واستقلالها السياسي, لأن هذه التهديدات لم يحرک ساکناً لا في مجلس الأمن ولا في العالم الإسلامي ولا في العالم الغربي ولا حتی في عالم الجن!!!!

الحق يقال«وإذا قلتم فاعدلوا ولو کان ذا قربی»  الرجل قال قولة تعبر عن سياسة بلده علی مدار 27 عاماً , فهو لم يأت بسياسة جديدة, ولم يتفوه بکلمة تمس الذات الإلهية أو مقدسات الأديان الأخری و لم يهدد إسرائيل بضرب منشآتها النووية کما فعل شارون, کل ما في الأمر أنه أنکر حادثة تاريخية تروج لها ظلماً و زوراً بأنها حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش و الجدال, واقترح علی الدول التي تورطت في هذه المجزرة آنذاک, أن تمنح جزءا من أراضيها لليهود لإنشاء دولتهم تعويضاً عن تلک المجزرة.  

 فقامت الدنيا و لم تقعد, يا إلهي! ما هذا؟ هل تراجع العالم إلی القرون الوسطی و تقهقر إلی عهد محاکم التفتيش؟  ولماذا؟

 لأن هذه التصريحات تمس حرمة شعب الله المختار!!!!فلک أن تسيء إلی الذات الإلهية و تنکره و تنتقص الأنبياء و المرسلين و تصف القرآن الکريم بأنها آيات شيطانية و تجرح مشاعر مليار و نصف مسلم بأنهم إرهابيون و همجيون,کل هذا لا بأس به, لأنه يدخل في إطار حرية التعبير,و إذا اعترضت, تتهم بأنک رجعي متحجر متعصب تعيش في عصر الظلام ولا تعرف الديموقراطية وحرية التعبير.

ولکن حذار أن تنکر المحرقة النازية لليهود أو تتفوه بکلمة تمس الکيان الإسرائيلي أو الشعب اليهودي أو تشکک في صحة ملکية اليهود للأرض الموعود, فإنک تتهم لا محالة بالعداء للسامية و خرق الأعراف الدولية و جحد السنن الکونية.

و أدهی من ذلک و أمرّ, أن في دول مثل آلمانيا و النمسا وغيرهما يعتبر إنکار المحرقة النازية (الهولوکست) جريمة يعاقب عليها القانون, ولک أن تتخيل مدی حرية التعبير في هذه الدول إذا کان الأمر يتعلق باليهودية و الصهيونية, وما قضية روجيه غارودي في فرنسا عنا ببعيد. 

دعنا نلقي نظرة عابرة علی حادثة الهولوکوست التي يُزعَم أن ستة ملايين يهودي أحرقوا فيها أحياءا, لنری هل يمکن عقلاً قبولها بهذا التهويل و التضخيم:

تشير الإحصائيات إلی أن عدد اليهود الآن يقدر بخمسة عشر مليون نسمة في کل أنحاء العالم منهم خمس ملايين في فلسطين المحتلة, وکان عدد سکان العالم, أثناء الحرب العالمية الثانية(من 1939م إلی1945م) يقدر بمليارين و مائتين مليون نسمة تقريباً,و يبلغ عدد سکان الأرض حالياً إلی أکثر من ست مليارات, فکم کان عدد اليهود آنذاک؟ نفترض في أحسن الحالات أنهم کانوا نصف عددهم الحالي,أي ثمانية ملايين, هل کل هذا العدد کانوا مجتمعين في آلمانيا و بولندا؟فکيف ببقية دول العالم؟إذ أن من المعروف أن اليهود کانوا منتشرين في کل الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة منذ عهد بعيد,و لو سلمنا جدلاً أن ستة ملايين منهم  کانوا في آلمانيا فکيف تمکن هتلر من حرق و إبادة کل هذا العدد؟ألم يتمکن جزء منهم من الفرار؟ ألم يکن لهتلر شغل شاغل إلا حرق اليهود؟ ثم کيف وصل هذا العدد إلی خمسة عشر مليون مع هذه الإبادات الجماعية بعد ستين سنة ؟ تخيل أن الحرب العالمية الثانية استغرقت ست سنوات,ولو افترضنا أن هتلر کان يقوم بحرق وإبادة اليهود منذ بداية الحرب وحتی نهايتها من دون توقف , فهذا يعني أنه کان يقوم بحرق وإبادة مليون يهودي سنوياٌ, أي بمعدل 2740 يهودي يومياً!!!!من يقبل هذا الهراء؟

لا أقصد بذلک أن أقول أن هذه الواقعة لاأساس لها من الصحة,ولا أدافع عن ما ارتکبه هتلر في حق اليهود, والحق يقال ولکن ليس بهذا التهويل و التضخيم, ثم لماذا لا يُذکَر السبب الحقيقي وراء شدة کراهية هتلر لليهود؟ السبب معروف لکل من له إلمام بتاريخ اليهود, حيث أنهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وغيرهم جوئيم أم أُمَمِيّون أو حيوانات بتعبير التلمود و ينظرون إلی غيرهم نظرة العبيد و الإماء, فيردون الجميل بالنکران, و يعيشون بين المجتمعات کالطفيليات التي تأخذ ولا تعطي, وجعلوا ديدنهم نقض العهد وخلف الوعد.

و لهذا السبب رحب کثير من الدول الأروبية بمنح وطن قومي لليهود بفلسطين,حتی يتخلصوا من شرورهم,  وفي الوقت نفسه يضمنوا مصالحهم في الشرق الأوسط, ولعل کان هذا من أسباب شدة استياء آلمانيا والنمسا من تصريحات أحمدي نجاد, حيث أن حتی مجرد التفکير في عودة اليهود إلی هاتين الدولتين يعتبر کابوساٌ لهما.

  هب أن القضية صحيحة بحذافيرها, و لکن لماذا يجب علی العالمين جميعا التسليم لهذه القضية و عدم نفيها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ هناك من علماء الأديان الذين طبع الله علی قلوبهم, من يشکک في صحة وجود الأنبياء و ينفون وجود سيدنا عيسی و موسی عليهما السلام بحجة عدم ثبوت وجودهما تاريخياً, و لم نر احتجاجاٌ أو ضجة مثل هذه الضجة الإعلامية التی أثيرت حول الهولوکوست!!و لم نر و لم نسمع قراراً من الجمعية العامة للأمم المتحدة يُجرّم مثل هذه التصريحات!!

في الحقيقة نحن نعيش في عالم المفارقات, عالم انقلبت فيه الموازين,  فأصبح الحق باطلاً والباطل حقاً  والظالم مظلوماً و المظلوم ظالماً والمعتدي محباً للسلام والديموقراطية والمعتدی عليه إرهابياً ومتعصباً, فهل نحن المسلمون نسعی جاهدين لتغيير هذا الوضع و رد الأمور إلی نصابها؟ هذا ما نأمله, وما ذلک علی الله بعزيز.

سيد أحمد هاشمي

باحث دکتوراه في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا





الصفحة الأخيرة | صفحة 4 من 6 | الصفحة التالبة